الغزالي

47

الأربعين في اصول الدين

والمتواضعون أعزّاء ، وأما هذا العالم ، فعالم التلبيس « 1 » ، فقد يودع معنى الخنزير والكلب في صورة الإنسان ، فلا تغتر به ، فإن ذلك ينكشف يوم تبلى « 2 » السرائر . فعليك أن تحسن صحبة رفقائك الثلاثة ، فتكسر شرة « 3 » الشهوة بسطوة الغضب ، وتقل من غلواء الغضب بخداع الشهوة ، وتسلط أحدهما على الآخر ؛ فإن ذلك بليغ جدا في تقويمهما ، حتى ينقادا للعقل والشرع ، فيستعملهما العقل بحيث ينتفع بهما ، كما يستعمل الصائد الفرس والكلب عند الحاجة ويسكنهما عند الاستغناء ، وشرح هذه الرياضة والصيد طويل ذكرناه في كتاب رياضة النفس . الحالة الثانية : صحبتك مع عموم الخلق . فأقل درجات حسن الصحبة كفّ الأذى عنهم ؛ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده » . وفوق ذلك أن تنفعهم وتحسن إليهم ؛ قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الخلق كلهم عيال اللّه ، وأحبهم إلى اللّه أنفعهم لعياله » . وفوق ذلك أن تحتمل الأذى منهم وتحسن مع ذلك إليهم ، وذلك درجة الصّدّيقين ؛ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعليّ - رضي اللّه عنه - : « إن أردت تسبق الصّديقين فصل من قطعك ، وأعط من حرمك واعف عمن ظلمك » . هذه جملة الأمر . وتفصيل هذه الحقائق كثيرة ، ونقتصر من جملتها على عشرين وظيفة : فمنها : أن لا تحبّ للناس إلا ما تحب لنفسك ، قال عليه السلام : « من سرّه أن يزحزح عن النار ، فليأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأن محمدا رسول اللّه ، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه » . ومنها : أن يتواضع لكل أحد ولا يفتخر عليه ، فإن اللّه لا يحب كل مختال فخور ، وإن تكبّر عليه غيره فليحتمل ؛ قال اللّه تعالى : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [ الأعراف : 199 ] . ومنها : أن يوقر المشايخ ويرحم الصبيان ، قال عليه السلام : « ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ، ولم يوقّر كبيرنا » ، وقال عليه السلام : « من إجلال اللّه تعالى إكرام ذي

--> ( 1 ) التلبيس : إخفاء الحقيقة . ( 2 ) تبلى : تمتحن . ( 3 ) الشّرّة ( بكسر الشين المعجمة وفتح الراء مع تشديدها ) : الحدة .